-->

حُذَيفَةُ وَأَبْطَالُ الْقُدْسِ (قصة قصيرة للأطفال)

     


    فِي قَلْبِ مَدِينَةِ الْقُدْسِ الْجَمِيلَةِ، حَيْثُ تَلْمَعُ قُبَّةُ الصَّخْرَةِ الذَّهَبِيَّةُ تَحْتَ أَشِعَّةِ الشَّمْسِ، وَتَتَعَانَقُ أَصْوَاتُ أَجْرَاسِ الْكَنَائِسِ مَعَ صَدَى الْآذَانِ، كَانَ يَعِيشُ أَرْبَعَةٌ مِنْ الْأَقَارِبِ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ كَبِيرٍ يُطِلُّ عَلَى أَزِقَّةِ الْمَدِينَةِ الْعَتِيقَةِ.

     

    كَانَ حُذَيْفَةُ، الْأَخُ الْأَكْبَرُ، شَابًّا قَوِيًّا وَشُجَّاعًا، يَقْضِي وَقْتَهُ فِي وَرْشَةِ جَدِّهِ، حَيْثُ يَتَعَلَّمُ كَيْفَ يُحَوِّلُ قِطَعَ خَشَبِ الزَّيْتُونِ الصَّامِتَةَ إِلَى عَصَافِيرَ وَزَخَارِفَ تَحْكِي قِصَّةَ أَرْضِهِمْ. كَانَتْ أُخْتُهُ الصُّغْرَى فَاطِمَةُ، فَتَاةً ذَكِيَّةً تُحِبُّ الْكُتُبَ، وَتَعْرِفُ كُلَّ قِصَّةٍ وَكُلَّ مَمَرٍّ سِرِّيٍّ فِي الْقُدْسِ، كَأَنَّهَا خَرِيطَةُ الْمَدِينَةِ النَّاطِقَةِ.

     

    وَمَعْهُمَا كَانَ يَعِيشُ أَبْنَاءُ عَمِّهِمَا. الْأَوَّلُ هُوَ عَلِيٌّ، الْعَبْقَرِيُّ الصَّغِيرُ الَّذِي لَا تُفَارِقُ يَدَاهُ الْأَدَوَاتِ الْإِلِكْتِرُونِيَّةَ، وَيَحْلُمُ بِأَنْ يَجْعَلَ الْعَالَمَ كُلَّهُ يَرَى جَمَالَ الْقُدْسِ بِضَغْطَةِ زِرٍّ. وَالثَّانِي هُوَ يُوسُفُ، الشَّابُّ الْقَوِيُّ طَيِّبُ الْقَلْبِ، الَّذِي يَرَى أَنَّ وَاجِبَهُ الْأَوَّلَ هُوَ حِمَايَةُ عَائِلَتِهِ وَمَدِينَتِهِ.

     

    كَانَتْ حَيَاتُهُمْ هَادِئَةً وَمَلِيئَةً بِالْأَحْلَامِ، مِثْلَ مَدِينَتِهِمْ الَّتِي كَانَتْ تَنْبِضُ بِالْأَمْنِ وَالسَّلَامِ.

     

    فِي أَحَدِ الْأَيَّامِ، وَبَيْنَمَا كَانَتْ الشَّمْسُ تَسْتَعِدُّ لِلْغُرُوبِ، تَغَيَّرَ كُلُّ شَيْءٍ. ظَهَرَ فِي الْأُفُقِ أُسْطُولٌ مِنْ الْمَرْكَبَاتِ الْعَسْكَرِيَّةِ السَّوْدَاءِ الضَّخْمَةِ، تُحَلِّقُ فِي السَّمَاءِ كَغِرْبَانٍ حَدِيدِيَّةٍ، وَتَزْحَفُ عَلَى الْأَرْضِ كَوُحُوشٍ آلِيَّةٍ. لَمْ تَكُنْ تُشْبِهُ أَيَّ شَيْءٍ رَأَوْهُ مِنْ قَبْلُ. أَحَاطَتْ هَذِهِ الْقُوَّاتُ بِالْمَدِينَةِ، وَأَغْلَقَتْ بَوَّابَاتِهَا بِحَوَاجِزِ لِيزَرٍ حَمْرَاءَ مُخِيفَةٍ، وَحَوَّلَتْ مَدِينَةَ النُّورِ وَالسَّلَامِ إِلَى مَكَانٍ يَسْكُنُهُ الْخَوْفُ وَالظَّلَامُ.

     

    لَمْ يَعُدْ الْأَطْفَالُ يَلْعَبُونَ فِي الشَّوَارِعِ، وَأَغْلَقَ التُّجَّارُ مَحَلَّاتِهِمْ. أَصْبَحَ صَوْتُ خُطُوَاتِ الْجُنُودِ الْآلِيَّةِ هُوَ الصَّوْتَ الْوَحِيدَ الَّذِي يَكْسِرُ صَمْتَ اللَّيْلِ الْمُخِيفَ.

     

    فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، اجْتَمَعَ حُذَيْفَةُ وَفَاطِمَةُ وَعَلِيٌّ وَيُوسُفُ فِي قَبْوٍ سِرِّيٍّ تَحْتَ وَرْشَةِ جَدِّهِمْ. كَانَتْ وُجُوهُهُمْ الصَّغِيرَةُ عَابِسَةً، لَكِنَّ عُيُونَهُمْ كَانَتْ تَلْمَعُ بِبَرِيقِ التَّحَدِّي.

     

    قَالَ يُوسُفُ بِغَضَبٍ وَهُوَ يَضْرِبُ بِقَبْضَتِهِ عَلَى الطَّاوِلَةِ: "لَنْ نَجْلِسَ وَنُشَاهِدَ مَدِينَتَنَا تُسْرَقُ مِنَّا!"

     

    أَشَارَ عَلَيٌّ إِلَى خَرِيطَةٍ قَدِيمَةٍ لِلْقُدْسِ رَسَمَهَا جَدُّهُمْ: "إِنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَ أَسْرَارَ مَدِينَتِنَا. انْظُرُوا! شَبَكَةُ الْأَنْفَاقِ هَذِهِ سَتَكُونُ مَمَرَّاتِنَا السِّرِّيَّةَ."

     

    اِبْتَسَمَتْ فَاطِمَةُ وَقَالَتْ بِحَمَاسٍ: "سَنَتَحَرَّكُ فِي الظِّلِّ مِثْلَ الْأَشْبَاحِ، وَسَنُسَاعِدُ أَهْلَنَا دُونَ أَنْ يَرَانَا أَحَدٌ!"

     

    وَقَفَ حُذَيْفَةُ، الْأَخُ الْأَكْبَرُ، وَقَالَ بِصَوْتٍ يَمْلَؤُهُ الْعَزْمُ: "لَقَدْ جَاءُوا لِيَكْسِرُوا إِرَادَتَنَا، لَكِنَّنَا لَنْ نَنْكَسِرَ. سَنَسْتَخْدِمُ ذَكَاءَنَا وَشَجَاعَتَنَا وَمَعْرِفَتَنَا بِأَرْضِنَا لِنُعِيدَ النُّورَ إِلَى قُدْسِنَا. هَذَا وَعْدٌ."

     

    وَمُنْذُ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وُلِدَ فَرِيقُ "أَبْطَالِ الْقُدْسِ". ارْتَدَى حُذَيْفَةُ قِنَاعًا وَزِيًّا خَاصًّا صَمَّمَهُ لِيَتَحَرَّكَ بِخِفَّةِ الْبَرْقِ بَيْنَ الْأَزِقَّةِ، لِيُصْبِحَ رَمْزًا لِلْأَمَلِ لِكُلِّ خَائِفٍ.

     

    بَدَأَتْ عَمَلِيَّاتِهِمْ السِّرِّيَّةِ. كَانَ عَلِيٌّ يَسْتَخْدِمُ عَبْقَرِيَّتَهُ لِتَعْطِيلِ كَامِيرَاتِ الْجُنُودِ، مِمَّا يَسْمَحُ لِلْأَطِبَّاءِ بِالْوُصُولِ إِلَى الْمَرْضَى. وَكَانَتْ فَاطِمَةُ تَسْتَخْدِمُ مَعْرِفَتَهَا بِالْأَنْفَاقِ لِتَقُودَ الْعَائِلَاتِ إِلَى أَمَاكِنَ آمِنَةٍ بِهَا طَعَامٌ وَمَاءٌ. أَمَّا يُوسُفُ، فَكَانَ يَسْتَخْدِمُ قُوَّتَهُ لِفَتْحِ الطُّرُقِ الْمُغْلَقَةِ وَإِنْقَاذِ الْمُحَاصَرِينَ.

     

    وَكَانَ حُذَيْفَةُ، "الشَّبَحَ" كَمَا أَسْمَاهُ الْأَشْرَارَ، يَظْهَرُ فِي كُلِّ مَكَانٍ. فِي لَيْلَةٍ، أَنْقَذَ مَخْزُونَ الْأَدْوِيَةِ مِنْ أَيْدِي الْجُنُودِ، وَفِي لَيْلَةٍ أُخْرَى، أَوْقَفَ دَوْرِيَّةً كَانَتْ تُخِيفُ الْأَطْفَالَ، وَفِي كُلِّ مَرَّةٍ كَانَ يَخْتَفِي فِي الظَّلَامِ، تَارِكًا وَرَاءَهُ وَرْدَةً صَغِيرَةً مِنْ خَشَبِ الزَّيْتُونِ، كَرِسَالَةٍ تَقُولُ: "نَحْنُ هُنَا، وَلَنْ نَسْتَسْلِمَ."

     

    أَخِيرًا، قَرَّرَ قَائِدُ الْأَشْرَارِ أَنْ يُوَاجِهَ هَذَا "الشَّبَحَ" الَّذِي أَفْسَدَ خُطَطَهُ. فِي فَجْرِ أَحَدِ الْأَيَّامِ، وَقَفَ فِي سَاحَةِ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى مُنْتَظِرًا. وَظَهَرَ حُذَيْفَةُ أَمَامَهُ، لَيْسَ وَحْدَهُ، بَلْ كَانَ إِخْوَتُهُ وَأَبْنَاءُ عَمِّهِ يَعْمَلُونَ مَعَهُ فِي الْخَفَاءِ.

     

    بَدَأَتْ الْمُوَاجَهَةُ. كَانَ الْقَائِدُ الشِّرِّيرُ يَعْتَمِدُ عَلَى قُوَّتِهِ وَأَسْلِحَتِهِ الْمُتَطَوِّرَةِ، لَكِنَّ حُذَيْفَةَ كَانَ يَعْتَمِدُ عَلَى شَيْءٍ أَقْوَى: حُبِّهِ لِمَدِينَتِهِ، وَدَعْمِ عَائِلَتِهِ. بِرَشَاقَتِهِ، تَفَادَى كُلَّ هَجَمَاتِ الْقَائِدِ، وَفِي اللَّحْظَةِ الْمُنَاسِبَةِ، اسْتَخْدَمَ جِهَازًا صَغِيرًا مِنْ صُنْعِ عَلِيٍّ لِيُعَطِّلَ دِرْعَ الْقَائِدِ الشِّرِّيرِ، فَسَقَطَ عَلَى الْأَرْضِ بِلَا قُوَّةٍ.

     

    عِنْدَمَا رَأَى الْجُنُودُ قَائِدَهُمْ قَدْ هُزِمَ، أَصَابَهُمْ الذُّعْرُ وَالِارْتِبَاكُ، وَبَدَأُوا بِالِانْسِحَابِ مِنْ الْمَدِينَةِ مَهْزُومِينَ.

     

    وَمَعَ شُرُوقِ الشَّمْسِ، عَادَتْ الْحَيَاةُ إِلَى الْقُدْسِ. فُتِحَتْ الْبَوَّابَاتُ، وَخَرَجَ النَّاسُ إِلَى الشَّوَارِعِ وَالْفَرْحَةُ تَمْلَأُ قُلُوبَهُمْ.

     

    وَقَفَ حُذَيْفَةُ وَفَاطِمَةُ وَعَلِيٌّ وَيُوسُفُ عَلَى سَطْحِ بَيْتِهِمْ، يُرَاقِبُونَ الشَّمْسَ وَهِيَ تُشْرِقُ عَلَى مَدِينَتِهِمْ الْحُرَّةِ. لَقَدْ أَعَادُوا الْأَمَانَ وَالسَّلَامَ، لَيْسَ بِقُوَّةِ السِّلَاحِ، بَلْ بِقُوَّةِ الْمَحَبَّةِ وَالشَّجَاعَةِ وَالْعَمَلِ الْجَمَاعِيِّ. لَقَدْ أَثْبَتُوا أَنَّ نُورَ شَمْعَةٍ وَاحِدَةٍ قَادِرَةٌ عَلَى أَنْ تَهْزِمَ أَعْتَى الظُّلُمَاتِ.

    شارك المقال

    # مقالات متعلقة