جديد الواحة

منع التلميذ من المرحاض بين الزمن المدرسي وكرامة الطفل!


يثير منع التلميذ من الذهاب إلى المرحاض أثناء الحصة الدراسية نقاشًا تربويًا وحقوقيًا مهمًا، يضعنا أمام سؤال جوهري: كيف نوازن بين الحفاظ على الزمن المدرسي وضمان حق الطفل في الصحة والكرامة؟

لا شك أن خروج التلاميذ المتكرر من القسم قد يربك سير الدرس ويؤثر في التركيز والتحصيل، وقد يستغل بعضهم هذا الأمر للتهرب من التعلم أو التجول في مرافق المؤسسة. غير أن معالجة هذه السلوكات لا ينبغي أن تتم بالمنع المطلق، بل بالتنظيم والتوجيه وتحمل المسؤولية.

فالحاجة إلى المرحاض حاجة فسيولوجية قد تكون ملحّة، ولا يمكن دائمًا تأجيلها، كما أن إجبار الطفل على الانتظار رغم حاجته، أو تعريضه للإحراج أمام زملائه، قد يمس كرامته ويؤثر في صحته وسلامته النفسية.

ماذا تقول المرجعيات القانونية؟

يؤكد دستور المملكة المغربية، في الفصل 22، حماية السلامة الجسدية والمعنوية للأشخاص، ويحظر المعاملة القاسية أو المهينة. كما تنص اتفاقية حقوق الطفل، ولا سيما المواد 3 و19 و24، على مراعاة مصلحة الطفل الفضلى وحمايته من الأذى وضمان حقه في الصحة.

ورغم أن هذه النصوص لا تنص حرفيًا على حق غير مشروط في مغادرة القسم في أي وقت، فإن مبادئها تقتضي التعامل مع حاجات المتعلم الأساسية بما يحفظ كرامته وسلامته، بعيدًا عن الإذلال أو الإضرار المتعمد.

من يتحمل المسؤولية إذا وقع الضرر؟

تتحدد المسؤولية بحسب ظروف الواقعة وطبيعة الضرر والتدابير المتخذة لتفاديه. فقد تُثار مسؤولية المدرس إذا منع التلميذ من الاستجابة لحاجة ملحّة دون مبرر معقول، خاصة إذا كان الضرر متوقعًا. كما قد تتحمل إدارة المؤسسة مسؤولية مرتبطة بغياب التنظيم الواضح أو عدم توفير مرافق صحية مناسبة، وقد تمتد المسؤولية إلى الجهات المعنية بحسب اختصاصاتها والوقائع المثبتة.

لذلك، لا يصح تحميل المدرس المسؤولية تلقائيًا عن كل حادث، كما لا يصح إعفاؤه من المسؤولية إذا ثبت التقصير. فالمطلوب هو تقييم موضوعي للواقعة، وتحديد المسؤوليات وفق النصوص القانونية المعمول بها.

ما الحل التربوي المناسب؟

إن تجاوز هذه الإشكالية يقتضي اعتماد مقاربة متوازنة تقوم على:

* السماح للتلميذ بالذهاب إلى المرحاض عند الحاجة، مع إعطاء الأولوية للحالات المستعجلة.

* تنظيم الخروج الفردي لتفادي الفوضى والحد من مغادرة القسم المتكررة.

* توعية المتعلمين بأهمية استغلال فترات الاستراحة، دون جعل ذلك شرطًا يحرمهم من تلبية حاجاتهم أثناء الحصة.

* وضع إجراءات مؤسساتية واضحة وموحدة، تراعي الحالات الصحية الخاصة وتحفظ خصوصية المتعلم.

* توفير مرافق صحية نظيفة وآمنة وصالحة للاستعمال، ومعالجة أي نقص أو خلل في تجهيزاتها.

* معالجة حالات الخروج المتكرر بالحوار والتوجيه والتواصل مع الأسرة، بدل اللجوء إلى الإهانة أو الحرمان العقابي.

وإذا وقع ضرر، فينبغي التدخل لحماية التلميذ، وإخبار الإدارة والأسرة، وتوثيق الواقعة، واتخاذ التدابير المناسبة وفق طبيعتها.

أي مدرسة نريد؟

إن النقاش حول منع التلميذ من المرحاض لا ينبغي أن يتحول إلى صراع بين المدرس والمتعلم؛ فالمدرس يواجه تحديات حقيقية في ضبط القسم واستثمار الزمن المدرسي، والمتعلم يحتاج إلى بيئة آمنة تحترم حاجاته الأساسية.

إن الحفاظ على الزمن المدرسي لا يكون بحرمان الطفل من حقه في الاستجابة لحاجاته الفسيولوجية، بل بحسن التدبير، والتربية على المسؤولية، واحترام الكرامة الإنسانية.

فالمدرسة الناجحة ليست التي تفرض الانضباط على حساب الحقوق، ولا التي تتساهل مع الفوضى، بل التي تحقق التوازن بين جودة التعلم، واحترام المدرس، وصون كرامة المتعلم، في إطار المسؤولية المشتركة.

واحة التربية الإسلامية

mokhtarat
mokhtarat
تعليقات