تدريس القيم في مادة التربية الإسلامية:
من فهم النص الشرعي إلى تمثل السلوك

تُعدّ القيم من المكونات الأساسية لمادة التربية الإسلامية، بل تشكل غايتها التربوية الكبرى؛ إذ لا يقتصر تدريس النصوص الشرعية على فهم معانيها واستخراج أحكامها، وإنما يتجاوز ذلك إلى استنباط القيم التي تتضمنها، والعمل على تحويلها إلى سلوكات وممارسات يومية في حياة المتعلم.
أولا: مفهوم القيمة
القيمة هي سلوك مطلوب، أو صفة إيجابية، أو خُلُق حسن ينبغي أن يتحلى به الإنسان، ويُعبَّر عنها غالبا بكلمة واحدة أو كلمتين، مثل: الإيمان، الصبر، التعاون، التواضع، الصدق، الأمانة، الرحمة...
ثانيا: أنواع القيم من حيث دلالة النص الشرعي عليها
يمكن تصنيف القيم الواردة في النصوص الشرعية، من حيث الطريقة التي يدل بها النص عليها، إلى ثلاثة أنواع:
1. القيم الصريحة:
وهي القيم التي يصرّح بها النص الشرعي مباشرة، ويكون لفظها واضحا ودالا عليها، مثل:
- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: قيمة الإيمان.
- قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرُوا﴾: قيمة الصبر.
- قوله ﷺ: «من تواضع لله رفعه»: قيمة التواضع.
2. القيم الضمنية:
وهي القيم التي لا يذكرها النص الشرعي بلفظها المباشر، وإنما يُفهم معناها من خلال دلالته وسياقه ومضمونه. ويُعد استخراجها أكثر الأنواع حاجة إلى الفهم والتأمل والاستنباط، ومن أمثلتها:
- قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾: قيمة الإنفاق والإحسان.
- قوله تعالى: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾: قيمة العمل الصالح وتحمل المسؤولية عن الأعمال.
- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾: قيمة المحافظة على الصلاة واحترام مواقيتها.
3. القيم العكسية:
وهي القيم التي يُستدل عليها من خلال ذكر سلوك سلبي أو خُلُق مذموم في النص الشرعي، فيكون المطلوب تربويا هو التحلي بضد ذلك السلوك، مثل:
- قوله تعالى: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾: يدل على قيمة التوحيد.
- قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾: يدل على قيمة التواضع ونبذ الكبر.
تنبيه منهجي مهم: هذه الأنواع الثلاثة لا تتعلق بطبيعة القيمة أو تصنيفها من حيث مضمونها، وإنما تتعلق بطريقة ورودها ودلالة النص الشرعي عليها؛ فقد تكون قيمة واحدة صريحة في نص، وضمنية أو عكسية في نص آخر.
ثالثا: من استخراج القيمة إلى تمثلها في سلوك المتعلم
إن الغاية من تدريس القيم ليست مجرد مطالبة المتعلم باستخراجها من النص الشرعي أو حفظ أسمائها، وإنما مساعدته على فهم معناها، وإدراك أهميتها، واستشعار أثرها في حياته، ثم ترجمتها إلى مواقف وسلوكات عملية. فمثلا، لا يكفي أن يستخرج المتعلم قيمة التعاون، بل ينبغي أن يمارسها من خلال مساعدة زملائه والعمل الجماعي، ولا يكفي أن يتعرف قيمة الصدق، بل يجب أن يتحلى بها في أقواله وأفعاله.
ولتحقيق هذه الغاية، ينبغي اعتماد التدرج الآتي:
1. التعرف: تحديد القيمة الواردة في النص الشرعي.
2. التصنيف: التمييز بين القيمة الصريحة والضمنية والعكسية.
3. الفهم: شرح القيمة وإدراك معناها ومقاصدها.
4. التمثل: ربط القيمة بمواقف واقعية من حياة المتعلم.
5. التقويم: ملاحظة مدى انعكاس القيمة على سلوكه وممارساته اليومية.
خلاصة تربوية:
إن تدريس القيم في مادة التربية الإسلامية ينبغي أن ينتقل بالمتعلم من مستوى استخراج القيمة من النص الشرعي إلى مستوى استيعابها والاقتناع بها، وصولا إلى تمثلها في سلوكه اليومي. وهذا يقتضي تكثيف التطبيقات والتمارين التي تدرب المتعلمين على اكتشاف القيم الصريحة والضمنية والعكسية، مع ربطها بمواقف حياتية واقعية؛ لأن القيمة التي لا تتحول إلى سلوك تظل معرفة نظرية لم تحقق غايتها التربوية.
واحة التربية الإسلامية